الشوكاني
436
فتح القدير
فيزعم أنه غير قادر على البعث بغير علم يعلمه ، ولا حجة يدلى بها ( ويتبع ) فيما يقوله ويتعاطاه ويحتج به ويجادل عنه ( كل شيطان مريد ) أي متمرد على الله وهو العاتي ، سمي بذلك لخلوه عن كل خير ، والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر . وقال الواحدي : قال المفسرون : نزلت في النضر بن الحارث وكان كثير الجدال ، وكان ينكر أن الله يقدر على إحياء الأموات ، وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة ( كتب عليه أنه من تولاه ) أي كتب على الشيطان ، وفاعل كتب أنه من تولاه ، والضمير للشأن : أي من اتخذ وليا ( فإنه يضله ) أي فشأن الشيطان أن يضله عن طريق الحق ، فقوله أنه يضله جواب الشرط إن جعلت من شرطية أو خبر الموصول إن جعلت موصولة ، فقد وصف الشيطان بوصفين : الأول أنه مريد ، والثاني ما أفاده جملة كتب عليه الخ ، وجملة ( ويهديه إلى عذاب السعير ) معطوفة على جملة يضله : أي يحمله على مباشرة ما يصير به في عذاب السعير . ثم ذكر سبحانه ما هو المقصود من الاحتجاج على الكفار بعد فراغه من تلك المقدمة ، فقال ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ) قرأ الحسن " البعث " بفتح العين وهى لغة ، وقرأ الجمهور بالسكون ، وشكهم يحتمل أن يكون في وقوعه أو في إمكانه . . والمعنى : إن كنتم في شك من الإعادة فانظروا في مبدأ خلقكم أي خلق أبيكم آدم ليزول عنكم الريب ويرتفع الشك وتدحض الشبهة الباطلة ( فإنا خلقناكم من تراب ) في ضمن خلق أبيكم آدم ( ثم ) خلقناكم ( من نطفة ) أي من مني ، سمى نطفة لقلته ، والنطفة : القليل من الماء . وقد يقع على الكثير منه ، والنطفة : القطرة ، يقال نطف ينطف : أي قطر . وليلة نطوف : أي دائمة القطر ( ثم من علقة ) والعلقة : الدم الجامد ، والعلق : الدم العبيط : أي الطري أو المتجمد ، وقيل الشديد الحمرة والمراد الدم الجامد المتكون من المني ( ثم من مضغة ) وهى القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ تتكون من العلقة ( مخلقة ) بالجر صفة لمضغة : أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير ( وغير مخلقة ) أي لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها قال ابن الأعرابي : مخلقة يريد قد بدا خلقه ، وغير مخلقة لم تصور . قال الأكثر : ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام ، وما سقط كان غير مخلقة أي غير حي بإكمال خلقته بالروح . قال الفراء : مخلقة تام الخلق ، وغير مخلقة : السقط ، ومنه قول الشاعر : أفي غير المخلقة البكاء * فأين الحزم ويحك والحياء واللام في ( لنبين لكم ) متعلق بخلقنا : أي خلقناكم على هذا النمط البديع لنبين لكم كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم ( ونقر في الأرحام ما نشاء ) روى أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم أنه قرأ بنصب نقر عطفا على نبين ، وقرأ الجمهور " تقر " بالرفع على الاستئناف : أي ونحن نقر ، قال الزجاج : نقر بالرفع لا غير ، لأنه ليس المعنى فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء ، ومعنى الآية : ونثبت في الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطا ( إلى أجل مسمى ) وهو وقت الولادة ، وقال ما نشاء ولم يقل من نشاء ، لأنه يرجع إلى الحمل وهو جماد قبل أن ينفخ فيه الروح ، وقرئ " ليبين - ويقر - و - يخرجكم " بالتحتية في الأفعال الثلاثة ، وقرأ ابن أبي وثاب " ما نشاء " بكسر النون ( ثم نخرجكم طفلا ) أي نخرجكم من بطون أمهاتكم طفلا : أي أطفالا ، وإنما أفرده إرادة للجنس الشامل للواحد والمتعدد . قال الزجاج طفلا في معنى أطفالا ، ودل عليه ذكر الجماعة : يعني في نخرجكم : والعرب كثيرا ما تطلق اسم الواحد على الجماعة ، ومنه قول الشاعر : يليحنني بكر من حبها ويلمنني * إن العواذل لسن لي بأمير